بدأت تحضيرات الرحلة في قصر بونو، وهي بلدة صغيرة قرب محاميد الغزلان. نفس الإبلين اللذان رافقاني في الربيع سيكونان رفقائي مرة أخرى، هذه المرة في الطريق إلى مرزوڭة. طريق جديد، مع قصص جديدة تنتظرنا
بدأنا بتحضير وشراء المستلزمات اللازمة للطريق. من المستحيل حمل كل شيء لمدة ثلاثة عشر يوماً دفعة واحدة، لذلك خططنا للتوقف عند القرية الوحيدة المتاحة على هذا الطريق, تافراوت سيدي عليقدّرت أننا سنصل إليها خلال أسبوع تقريباً، فحمّلنا مؤنًا تكفي لمدة سبعة أيام وانطلقنا من قصر بونو. في هذا اليوم الأول، قطعنا 15 كيلومتراً ووصلنا إلى تيزي ن’بن سلمّان
شعرت هذه اليوم وكأننا في متاهة. منطقة كتـاوة معروفة بنظام الري الذي يمر بين القرى، قنوات خرسانية كبيرة تحيط بكل المستوطنات الصغيرة.
عندما استيقظنا وبدأنا مسارنا، واصلنا عبور هذه القنوات الضخمة التي تشقّ الأرض. في البداية لم نُعرها اهتمامًا، لكن فجأة أدركنا أننا محاصرون بينها، غير قادرين على إيجاد طريق للعبور إلى الضفة الأخرى.
رغم أن هذه القنوات كانت جافة، إلا أن جدرانها كانت عميقة ومنحدرة، مستحيل على الإبل النزول والصعود منها مرة أخرى.
بينما كنا نقف محتارين في أمرنا، انزلق أحد الإبل وسقط داخل القناة. حاولنا إخراجه، لكن دون جدوى. بقيت أنا فوق القناة مع أحد الإبل، بينما بقي سي محجوب داخل القناة مع الجمل الآخر، متحركين على طول القناة حتى وجدنا أخيراً جزءاً مكسوراً منخفضاً بما يكفي ليصعد منه الجمل.
استرحنا قليلًا، تغدّينا، ثم حاولنا إيجاد طريقنا على طول القنوات حتى وصلنا إلى بدايتها، وأخيرًا خرجنا من المتاهة.
واصلنا طريقنا مروراً ب قصر نصرت, , قصر أولاد يوسفو أولاد عمر، قبل أن نتوقف قرب مقبرة قصبة عمامو, بعد يوم طويل بلغ 28 كيلومتراً.
كان هذا اليوم مليئًا بالمرتفعات الصخرية. بدأنا على ارتفاع 2000 قدم فوق الأرض وارتقينا تدريجيًا عبر التلال حتى وصلنا إلى 3709 قدم.
غادرنا كتـاوة وتوجهنا نحو حافة فوهة تافنة. الفوهة، التي يمكن رؤيتها على خرائط جوجل، هي تشكيل دائري طبيعي. مصدرها مجهول، وربما تشكّلت بفعل النشاط البركاني أو الحركات التكتونية، ولا توجد أي معلومات عنها على الإنترنت. يمكنكم رؤية صورتها على اليمين.
على حافة الفوهة، بدأنا النزول عبر الصخور الضخمة. توقفنا لقضاء الليل على أرض صخرية، محاطين بسكون الصحراء. شربنا الشاي، وعزف الجيتار ألحان البلوز الصحراوي، بينما الليل يلفّنا بهدوئه.
استيقظنا بعد ليلة صامتة. كان الإفطار كالعادة: وعاء مليء بالزيت والجبن ومربى التمر والخبز الطازج الذي خبزه سي محجوب في اليوم السابق. ثم انطلقنا، عابرين المرتفعات الجبلية، صاعدين ونازلين عبر أودية جافة ومسارات متعرجة. تتبعنا آثار الرحّل الخفيفة، متجهين نحو أزور نـتغنجاوت، حيث تبدأ الأرض الصخرية بالتلاشي لتصبح مساحة مفتوحة لا نهاية لها
أنهينا بالأمس عبور المرتفعات الصخرية في إقليم زاكورة . اليوم تغيّر وجه الأرض، اختفت الصخور وامتدت الرمال في كل مكان. سرنا في أرض هادئة، تتخللها بعض البقع الخضراء، والهواء بارد قليلًا، والشمس في الشتاء تنير طريقنا بلطف.
على الطريق، مررنا بِبئر حيث كانت عائلة بدوية تغسل ملابسها وحميرها. ملأنا زجاجاتنا بالماء العذب وتابعنا السير، متجددين. أمامنا امتدت هضبة. هضبة بوحيارة، تنتظر خطواتنا بهدوء
كانت أبرد ليلة في هذه الرحلة. في الصباح، كان حتى اللوح الشمسي مغطى بطبقة بيضاء من الصقيع، تذكير من الصحراء بأن شتاءها قاسٍ وصامت.
كان اليوم أمامنا طويلاً عبر هضبة بوحيارة، تمتد بلا نهاية، بلون واحد، لا يُرى فيها إلا الرمل، تتناثر بينه بقع خضراء من أشجار الأكاسيا. المنظر لم يتغير طوال اليوم، فراغ واسع يمتد إلى الأفق، لا صعود فيه ولا نزول، طريق رملي مستقيم تحت شمس الشتاء الباهتة.
في النصف الثاني من اليوم، مررنا بمنطقة عسكرية دون أن نعلم. فجأة، ظهر جندي من بعيد يركض نحونا، وظله يمتد على الرمل اللامع. كان يلهث ويتحدث في جهاز اللاسلكي، وبعد لحظات، اقتربت سيارة عسكرية مسرعة نحونا وتوقفت وسط سحابة من الغبار.
نزل الضابط، هادئاً لكنه حازم. سلّم بندقيته كلاشينكوف للجندي الذي كان معه، وطلب بطاقاتنا الشخصية. أخذها إلى المركز ليتحقق من هويتنا، وانتظرنا ما يقارب ثلاث ساعات في صمت الصحراء. عاد بعدها وأخبرنا أنه في المرات القادمة علينا إبلاغهم قبل المرور بالمناطق العسكرية، لأنها مناطق خطرة بسبب تهريب الوقود والمخدرات.
عندما غادر الضابط، كانت الشمس تغرب. أعددنا العشاء، سكّبنا الشاي، وعندما تغيرت الرياح، شعر سي محجوب شعر بتغيّر الرياح فعرف أن المطر قادم، فجهّز خيمة بدوية صغيرة. تلك الليلة هطل المطر فوق الرمال، ونمنا على صوته فوق القماش. كانت ليلة لا تُنسى، مليئة بالمشاعر والسكينة.








استيقظنا بعد ليلة ممطرة. كان الإفطار بسيطاً، كالعادة: خبز، جبن، مربى وشاي. رتبنا الخيمة وأمتعتنا وانطلقنا نحو تافراوت سيدي علي. كانت القرية مرئية من بعيد، لكن الكثبان الصغيرة قبلها جعلت الوصول صعبًا. كانت موجات الرمال ترتفع وتهبط بلا نهاية، ورغم أننا كنا نرى القرية، بدت بعيدة المنال. كان علينا اتباع إيقاع الكثبان، نصعد وتهبط، حتى وصلنا أخيرًا بعد نصف يوم شاق.
كانت مفاجأة في انتظارنا في القرية الصغيرة. قبل أن أبدأ مغامرتي، قالت لي صديقة إنها تريد تجربة عبور الصحراء. وعدتها أنني سأمر فقط بقرية واحدة، تافراوت سيدي علي، بعد حوالي سبعة أيام من انطلاقي. في البداية، لم أعط الأمر اهتماماً, الكثير من الأصدقاء قالوا نفس الشيء. لكن مريم، فتاتنا الضائعة، فاجأتني عندما وجدتها هناك. يا لها من روح طيبة، شخص يحب ما يفعله حقاً ويفي بوعوده. احترامي الكبير لها. وأثناء كتابتي لهذه السطور، فقد عبرت القارة الإفريقية من المغرب إلى تنزانيا بالدراجة. أتمنى لها كل التوفيق في العالم.
التقينا بها في القرية، وضعنا حقيبتها على الإبل، واشترينا بعض المستلزمات، وتابعنا الطريق نحو . جبل زيرق.







كان اليوم الأول مع مريماستيقظنا باكرًا، واكتشفت مريم فطور الصحراء السحري, زلافة مملوءة بالزيت، والجبن، ومربى التمر، وخبز طازج أعدّه سي محجوب في الليلة السابقة.
بعد ترتيب أغراضنا، تحركنا نحو قمة زيرق ، التي ترتفع بفخر حوالي 900 متر. من هناك، انفتح الأفق على مصراعيه، وتمكنا من رؤية جبال كم كمآخر سلسلة جبلية تحدد الحدود غير المرئية بين المغرب و الجزائر.
غادرنا الأراضي المسطحة الواسعة ودخلنا عالمًا من الصخور والصمت. وقف جبل زيرق وحيدًا كجزيرة في قلب الفراغ الكبير. كان المنظر يفوق الوصف، من تلك المشاهد التي تجعلك تتوقف وتتنفس وتتأمل.







استيقظنا بعد ليلة هادئة تحت سماء مرصّعة بالنجوم، يرافقها عزف ناعم لموسيقى البلوز الصحراوية على الغيتار.
واصلنا طريقنا نحو فم الحراش، وهي سهل واسع لا يمرّ فيه سوى بعض المسارات التي تسلكها الشاحنات الثقيلة لنقل المعادن من المناجم القريبة.
واصلنا طريقنا نحو فُمْ مْحَارْشْ، سهل واسع لا يعبره سوى بعض المسارات التي تستخدمها الشاحنات الثقيلة لنقل المعادن من المناجم القريبة.
كان هدفنا المدينة المفقودة بَا حَالُو. لم يتبقَّ منها اليوم سوى بقايا جدران متناثرة في الرمال. يُعتقد أنّها بُنيت على يد البرتغاليين حوالي سنة 1500، خلال عهد الملك سبستياو الأول، وكانت تُعرف سابقاً باسم Cidade Perdida “المدينة المفقودة لبا حلو"
هُجرت المدينة منذ حوالي ثلاثمائة عام بعد فيضانٍ ضخم اجتاح الوادي، فشكّل مستنقعات وتكاثر فيها البعوض بكثرة. يحتوي الحاسي (البئر) على ماءٍ عذب، فملأنا أوعيتنا، والتقينا ببعض الإبل الوحشية وملأنا لها الـ"سهرِيج" لتشرب.
كانت تلك الليلة ساحرة, مدينة مفقودة في قلب العدم. جلسنا نتأمل في الصمت، نحاول تخيّل كيف كان الناس يعيشون هنا، بلا سيارات، بلا مدن، فقط المجهول يمتدّ بلا نهاية في كل اتجاه.






كان هذا أحد أصعب أيام هذه الرحلة. كان الأرض مغطاة بالصخور، وكل خطوة تتطلب جهداً. مشينا نحو أَفْرْدُو نْصْوَالْحِينْ، تل ذو قمة مسطحة يقف وحيداً في منتصف الصحراء. قبل الوصول إليه، مررنا بجانب مدرسة صغيرة للرحّل, ,مجرد حاوية معدنية بيضاء بها نافذة واحدة، وداخلها كراسٍ وطاولات فارغة. نسأل الله أن يبارك ويحمي هؤلاء الأطفال. من بعيد، بدأنا نرى أَفْرْدُو . توجهنا مباشرة نحوها ونصبنا خيمتنا عند قاعدتها. تلك الليلة، حضرت لن مريم الحرشة، نوع من الخبز المغربي، مع شاي سي محجوب وأصوات موسيقى البلوز الصحراوي على الجيتار. يا لها من ليلة




بدأت الرحلة تقترب من نهايتها، وبدأت رمال مرزوكة الذهبية المائلة إلى البرتقالي تلوح في الأفق، شيئًا فشيئًا كنّا نغادر الأراضي الصخرية التي رافقتنا أيامًا طويلة، شعرت بشيء غريب في داخلي، ربما بسبب ضجيج سيارات الدفع الرباعي أو السياح الذين مرّوا بنا، بعد أسابيع من الصمت والفراغ، عاد صدى العالم من جديد، ومعه إحساس بأن حلمي يوشك أن ينتهي.






كانت ليلتنا الأخيرة, مرزوڭة جمعنا أمتعتنا بعد الإفطار وسرنا مباشرة نحوها، خطوة بعد خطوة كانت ذاكرتي تمتلئ بأسابيع الرحلة، بالصمت اللامتناهي، بالفراغ الواسع، بصوت خطواتنا عبر ليالي الصحراء، وبالسكينة التي ترافقها.
ان من الصعب أن أصدق أننا وصلنا، ومن الأصعب أن أودّع سي محجوب، الذي سيعود وحده مع الإبل إلى محاميد الغزلان. اختلطت في تلك اللحظة مشاعر كثيرة: الفرح، الحزن، الامتنان
في ذلك اليوم أدركت أن هذه هي طريقتي في السفر، أجد نفسي في الحرية، في السير، في التخييم أينما أشاء ومتى أشاء، في استكشاف المناظر بلا حدود. الجمال جعلت ذلك ممكنًا، بقوّتها وصبرها، تستطيع عبور أي شيء، وتسلق أي أرض، والوصول إلى أي مكان.
شكرًا, سي محجوبعلى حكمتك، فقد تعلمت منك الكثير. وشكرًا كبيرًا مريم، رفيقة الرحلة وصديقتي، التي شاركتني نصف هذه المسيرة، الضحك، والأغاني، والقصص، والصمت.
هذه هي، هذه طريقتي في السفر و الترحال.



